محمد بن جرير الطبري
90
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْفُسَكُمْ قال : ظلم أنفسكم : أن لا تحرموهن كحرمتهن . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد بن علي : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ قال : ظلم أنفسكم أن لا تحرموهن كحرمتهن . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد ، بنحوه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها ، فإن الله عظمها وعظم حرمتها . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويله لقوله : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ فأخرج الكناية عنه مخرج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وذلك أن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة إذا كنت عنه : فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون ، ولأربعة أيام بقين ، وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين ، قالت : فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت ، ولأربع عشرة مضت . فكان في قوله جل ثناؤه : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وإخراجه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة الدليل الواضح على أن الهاء والنون من ذكر الأشهر الأربعة دون الاثني العشر ؛ لأن ذلك لو كان كناية عن الاثني عشر شهرا لكان : فلا تظلموا فيها أنفسكم . فإن قال قائل : فما أنكرت أن يكون ذلك كناية عن الاثني عشر ، وإن كان الذي ذكرت هو المعروف في كلام العرب ، فقد علمت أن المعروف من كلامها إخراج كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون ، وقد قال الشاعر : أصبحن في قرح وفي داراتها * سبع ليال غير معلوفاتها ولم يقل : معلوفاتهن ، وذلك كناية عن السبع ؟ قيل : إن ذلك وإن كان جائزا فليس الأفصح الأعرف في كلامها ، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأعرف أولى من توجيهه إلى الأنكر . فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فقد يجب أن يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة ؟ قيل : ليس ذلك كذلك ، بل ذلك حرام علينا في كل وقت وزمان ، ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهن على سائر شهور السنة ، فخص الذنب فيهن بالتعظيم كما خصهن بالتشريف ، وذلك نظير قوله : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى ، ولكنه تعالى ذكره زادها تعظيما وعلى المحافظة عليها توكيدا وفي تضييعها تشديدا ، فكذلك ذلك في قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ . وأما قوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً فإنه يقول جل ثناؤه : وقاتلوا المشركين بالله أيها المؤمنون جميعا غير مختلفين ، مؤتلفين غير مفترقين ، كما يقاتلكم المشركون جميعا مجتمعين غير متفرقين . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أما كافة فجميع وأمركم مجتمع . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً يقول : جميعا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي جميعا . والكافة في كل حال على صورة واحدة لا تذكر ولا تجمع ، لأنها وإن كانت بلفظ فاعلة فإنها في معنى المصدر كالعافية والعاقبة ، ولا تدخل العرب فيها الألف واللام لكونها آخر الكلام مع الذي فيها من معنى المصدر ، كما لم يدخلوها إذا قالوا : قاموا معا وقاموا